معركة المقاعد.. ترامب يخشى فقدان السيطرة

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في تشرين الثاني المقبل، تتجه الأنظار إلى سباق انتخابي قد يعيد رسم موازين القوى في واشنطن، ويحدد قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير أجندته السياسية خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة في ظل سيطرة الحزب الجمهوري حالياً على مجلسي النواب والشيوخ، ما يمنح الإدارة الأميركية مساحة أوسع لتمرير مشاريعها. لكن خسارة الجمهوريين أحد المجلسين قد تفرض واقعاً سياسياً جديداً، وتحد من قدرة البيت الأبيض على تنفيذ سياساته التشريعية.
وتشير المعطيات السياسية الحالية إلى احتمال انتقال مجلس النواب إلى سيطرة الديمقراطيين، مقابل احتفاظ الجمهوريين بأفضلية محدودة في مجلس الشيوخ، وهو سيناريو من شأنه أن يضع إدارة ترامب أمام مرحلة أكثر تعقيداً خلال النصف الثاني من ولايته.
اختبار لسياسات ترامب
تتحول انتخابات التجديد النصفي عادة إلى اختبار لأداء الرئيس والحزب الحاكم، خصوصاً عندما تأتي بعد عامين من تولي الإدارة السلطة. وفي حال فقد الجمهوريون الأغلبية في أحد المجلسين، فقد يواجه ترامب قيوداً أكبر على تنفيذ أجندته، إلى جانب تصاعد الرقابة البرلمانية على سياسات إدارته.
وفي حال خسر الجمهوريون مجلس النواب، ستنتقل رئاسة اللجان الرئيسية إلى الديمقراطيين، ما يمنحهم صلاحيات أوسع لفتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة وقراراتها. كما قد تتجدد الدعوات إلى إجراءات سياسية وقانونية تستهدف الرئيس، رغم أن فرص نجاح أي مسار لعزله ستبقى مرتبطة بموازين القوى داخل الكونغرس.
ويُستخدم مصطلح “البطة العرجاء” في السياسة الأميركية لوصف رئيس يستمر في ممارسة صلاحياته الدستورية، لكنه يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على تمرير أجندته التشريعية بسبب تغير موازين القوى في الكونغرس.
الاقتصاد يضغط على ترامب
تواجه إدارة ترامب مجموعة من الملفات التي قد تؤثر في خيارات الناخبين، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسة التجارية والرسوم الجمركية، إلى جانب تداعيات الملفات الخارجية والصراعات العسكرية على الاقتصاد الأميركي.
وتظهر استطلاعات رأي تراجعاً في مستوى الرضا عن أداء الرئيس، في وقت يتصدر فيه الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار قائمة اهتمامات الناخبين.
ويحظى الديمقراطيون بأفضلية متزايدة لدى شريحة من الناخبين في التعامل مع ملف تكاليف المعيشة، بعدما كان الجمهوريون يتمتعون لسنوات بقدرة أكبر على إقناع الناخبين بقدرتهم على إدارة الاقتصاد.
كما يواجه مرشحو الحزب الجمهوري تحدياً إضافياً يتعلق بعلاقتهم بترامب وحركة “ماغا” السياسية المرتبطة به. وتشير تقديرات انتخابية إلى أن جزءاً من الناخبين المستقلين قد يكون أقل استعداداً للتصويت لمرشحين يرتبطون بصورة مباشرة بالحركة.
ودفع ذلك بعض الاستراتيجيين الجمهوريين إلى البحث عن استراتيجية انتخابية تركز على سياسات ترامب، مع تقليل الظهور المباشر للرئيس في الحملات الانتخابية.
ويعتمد هذا التوجه على التركيز على قضايا تحظى بدعم داخل القاعدة الجمهورية، مثل أمن الحدود ومكافحة الجريمة والضرائب، مع منح المرشحين مساحة أكبر لبناء صورتهم السياسية بعيداً عن شخصية الرئيس.
الديمقراطيون أمام فرصة في مجلس النواب
يبدو مجلس النواب الساحة الأكثر قابلية للتغيير خلال الانتخابات المقبلة، في ظل حاجة الديمقراطيين إلى انتزاع عدد محدود من المقاعد لاستعادة الأغلبية.
لكن الطريق أمامهم لن يكون سهلاً، إذ عمل الجمهوريون خلال الفترة الماضية على إعادة رسم الدوائر الانتخابية في عدد من الولايات، ما منح الحزب أفضلية في بعض المقاعد التي كان من المتوقع أن تكون شديدة التنافس.
وتتركز المنافسة بصورة خاصة في الضواحي والدوائر الانتخابية المتأرجحة، التي يمكن أن تحسمها فروق محدودة في أصوات الناخبين.
ويمتلك الديمقراطيون عدداً أكبر من المقاعد التي يمكن استهدافها، لكن هامش الخطأ أمامهم يظل ضيقاً. وأي تراجع في الزخم الانتخابي خلال الأشهر المقبلة قد يسمح للجمهوريين بالاحتفاظ بالأغلبية.
مجلس الشيوخ.. معركة أصعب
تبدو مهمة الديمقراطيين في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً، في ظل امتلاك الجمهوريين 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب صافية من أربعة مقاعد للسيطرة على المجلس، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على المقاعد التي يشغلونها حالياً.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب اضطرار الحزب إلى المنافسة على مقاعد في ولايات يميل ناخبوها تقليدياً إلى الجمهوريين، بما في ذلك ولايات حقق فيها ترامب نتائج قوية خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وتبرز ولايات مثل ميشيغان وتكساس ضمن ساحات المنافسة المهمة، في ظل اختلاف طبيعة التحديات التي يواجهها الحزبان من ولاية إلى أخرى.
انتخابات قد تحدد النصف الثاني من ولاية ترامب
لن تقتصر نتائج انتخابات التجديد النصفي على تحديد هوية الأغلبية في الكونغرس، بل ستحدد أيضاً البيئة السياسية التي سيعمل فيها ترامب خلال النصف الثاني من ولايته.
فاحتفاظ الجمهوريين بالمجلسين سيمنح الإدارة فرصة أكبر لمواصلة تنفيذ أجندتها، بينما قد يؤدي انتقال أحد المجلسين إلى الديمقراطيين إلى زيادة المواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض، ورفع مستوى الرقابة والتحقيقات وتعقيد تمرير القوانين.
أما إذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على المجلسين، فسيواجه ترامب واحدة من أصعب المراحل السياسية في ولايته، مع تحول الكونغرس إلى ساحة رئيسية للصراع حول سياسات الإدارة والملفات الداخلية والخارجية.
وبذلك، تبدو انتخابات تشرين الثاني المقبل أكثر من مجرد سباق على المقاعد البرلمانية، إذ قد تتحول إلى اختبار مباشر لشعبية ترامب وقدرة حزبه على الحفاظ على الأغلبية، وتحدد شكل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس حتى نهاية الولاية.




